بأعوامها
التي بلغت الأربعين ، و ها قد مضت 10 أعوام منذ بدأت معاناتها مع اختفاء
بصرها ، تقف هي اليوم في ضيافة طلاب من الصف الثالث الإبتدائي ، تتحاور
معهم ، و تحاول أن تنقل لهم جزءا من معاناة أمثالها من فاقدي البصر.
بدأ
الأمر بإخطار من مدرسة الفصل قبل أسبوعين مضيا ، بأنهم بعد إجازة الشتاء و
التي تمتد أسبوعا كاملا ، سيتضيفون امرأة كفيفة في فصلهم ، دون معرفة يوم
محدد لهذه الزيارة ، و التي تم أخذ العلم بموعدها يوم الاثنين الماضي ،
بأنه في يوم الجمعة الموافق للرابع عشر من مارس ، ستشاركهم امرأة فاقدة
للبصر ساعتين من يوميهم الدراسي .
كانت
هي في موعدها حاضرة ، هي ليست ممن يطلق عليهم فاقدا تاما للبصر ، إلا أنها
تعاني من إعاقة بصرية ، لا تسمح لها بالرؤية إلا بشكل ضعيف جدا ، تحتاج
معه إلى الاستعانة بعصاة فاقدي البصر للتحرك .
لم
تكن قبل عشر سنوات مضت تعاني فقدان شبه كامل في البصر ، ما تعرضت له ،
أنها وضعت في اختبار أحلاهما مر ، كانت تعاني مرضا في عينها ، يتطلب علاجا
قويا ، و لكن أعاق العلاج انها كانت حاملا في طفلها ، و ظل لها اتخاذ
القرار ، أن تضحي بطفلها في سبيل علاجها ، أم تحتفظ بالطفل ، و تجازف
ببصرها ، و اختارت هي الثانية.
و
منذ ذلك اليوم دخلت هي حياة المكفوفين ، معاناتهم ، ما يواجهونه من صعوبات
في الحياة ، أنشطتهم ، ما اكتشفت أنهم يستطيعون ممارسته رغم عدم استطاعتهم
للرؤية .
بالنسبة للطلاب ، فالأمر
كان لهم مثيرا حقا ، يخبرني ابني ، أنهم وجهوا لها سيلا من الأسئلة ، يتحدث
بعجب عن ان في استطاعة المكفوفين ممارسة لعبة الشطرنج ، و أنهم ليتمكنوا
من ذلك فعليهم أن يلمسوا أجزاء اللعبة كلها ، ثم يتصورون اللعبة في ذهنهم ،
ليبدأ اللعب بعدها .
بل يلعبون أيضا الملاكمة :) و التزحلق على الجليد .
تخبرهم
كيف تطورت لديها حواس اللمس و السمع و الشم منذ فقدت بصرها ، كيف أصبحت
أكثر قوة من ذي قبل، تجيب عن تساؤل طالب يسأل هل هناك من يزعجهم من الناس ،
لتخبرهم بنعم هناك فئتين من الناس في الشارع ، فئة تساعدنا ، بحب و مودة
حقيقية ، و فئة تسخر منهم ، و قد قامت بالإجابة عن السؤال بشكل عملي ، حيث
مثل أحد الطلاب أنه كفيف ، و أنها هي من تساعده ، فسالته في المرة الأولى
عن رغبته في المساعدة بغلظة ، و بصوت خشن يوحي بالملل و القرف من الشخص
الذي هو بحاجة للمساعدة .
ثم كررت الأمر مع نفس الطالب بسؤاله عن حاجته لمساعدة بشكل لطيف حاني ، يوحي حقا برغبتك الحقيقية في تقديم المساعدة لهم .
أوضحت لهم أن من أراد مساعدة كفيف فعليه أن يسير أمامه و ليس خلفه ، حتى يستطيع أن يرى ما أمام ااكفيف،فينبهه
أحضرت
معها مجموعة من النظارات ، التي توضح الأشكال المختلفة من إعاقة البصر ، و
التي توضح إن ارتديتها كيف ستشاهد الدنيا بعين شخص كفيف تقريبا ، جربها
الطلاب جميعها تقريبا ، و شاهدوا كيف أنهم يمكنهم فقط مشاهدة الأشياء
الضخمة ، و بشكل غير واضح أيضا أو كيف أنهم يشاهدون ما حولهم من خيط رفيع
جدا في النظارة ، و كيف هي الدنيا بهذا الخيط الضعيف .
ارتهم
هاتفها المحمول ، و كيف أنها تضغط على زر يخبرها بالوقت ، و زر يخبرها
بالبريد الواصل لها أحضرت لهم ورقة كتبت بطريقة برايل ، و سوف يحاول الطلاب
الفترة القادمة محاولة ترجمة ما كتب عليها إلى اللغة الألمانية ، ليعرفوا
ما الذي كتبته لهم ، أخبرتهم بعدم تمكنها من لغة برايل حتى اليوم ، لأنها
كفتاة عاشت 30 عاما بسكل طبيعي يصعب عليها حقا ، أن تتعلم لغة جديدة اليوم
من جديد.
سألوها عن وجود كلب
يرافقها ، فأجابت بالنفي ، لأنها لا تحتاج لكلب، فمن يحتاج لكلب مرافق هم
فاقدوا البصر بشكل كامل ، و أنها هي تكتفي بعصا المكفوفين .
سالتهم هي عن وجود كفيف في أقربائهم ، فاتضح أن أحد الطلاب ، ابن عمه كفيف ، فاقد البصر تماما .
و هكذا استمر اللقاء بينهم ساعتين متكامليتن .
اذن ما الذي استفاده الطلبة من زيارة كهذه ؟؟
- الكفيف و فاقد البصر ، هو عضو من أعضاء المجتمع ، نستطيع أن نتعايش معه و نشعر بما يواجهه
- باب الأسئلة المفتوحة بشكل كامل بدون حدود ، و كيف يتعلم الطفل أن يسأل دائما في كل ما لا يفهمه ام لا تعلمه
- التعامل مع احدى حالات ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عملي قريب ، و ليس مجرد كلمات نظرية تدرس دون الشعور بها
- يشعر الطلبة من سن صغيرة بمدى المعاناة و التعب الذي يواجهه هؤلاء في حياتهم
فاجئني
ابني أنه حاول منذ يومين ، في طريق عودته من المدرسة أن يكون أعمى في جزء
من الطريق إلى البيت ، فأغلق عينيه ، و سار قليلا ، و كان الأمر على ما
يرام ، حتى اصطدم بدراجة فسقط ، و كيف أن الأمر كان صعبا و ليس سهلا .
و لا أعلم حقيقة ما كانت تحدثهم مدرستهم به ، حتى يعيش الأطفال مع الأمر ، ليجربوه ، و ليحضروا هذا الكم الكبير من الأسئلة
أما
ضيفتنا ، فمثل هذه الاحداث تشعرها بأهميتها في المجتمع ، بان وراءها من
يدعمها و لا يشعر بالعار من إصابتها ، و لا يتجاهلها ، بل هي اليوم فوق
الجميع حقا .
هكذا تولد المجتمعات
،بترابطاتها ، بتعايش أفرادها مع بعضهم البعض ، دون ابعاد فئة منه عن
الآخرين ، بل إن تلك الفئات توفر لها الدولة و المجتمع كل ما يمكن أن
يساعدها ، و يشعرها بانها جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الذي تعيش فيه
** في ألمانيا يبلغ عدد المكفوفين ، و من يعانون من الإعاقة البصرية حوالي 40000 شخص
** كل ما كتب هو قصة حقيقية بأحداث حقيقية :)