19.3.14

كفيفة في الصف الثالث الإبتدائي

بأعوامها التي بلغت الأربعين ، و ها قد مضت 10 أعوام منذ بدأت معاناتها مع اختفاء بصرها ، تقف هي اليوم في ضيافة طلاب من الصف الثالث الإبتدائي ، تتحاور معهم ، و تحاول أن تنقل لهم جزءا من معاناة أمثالها من فاقدي البصر.

بدأ الأمر بإخطار من مدرسة الفصل قبل أسبوعين مضيا ، بأنهم بعد إجازة الشتاء و التي تمتد أسبوعا كاملا ، سيتضيفون امرأة كفيفة في فصلهم ، دون معرفة يوم محدد لهذه الزيارة ، و التي تم أخذ العلم بموعدها يوم الاثنين الماضي ، بأنه في  يوم الجمعة الموافق للرابع عشر من مارس ، ستشاركهم امرأة فاقدة للبصر ساعتين من يوميهم الدراسي .

كانت هي في موعدها حاضرة ، هي ليست ممن يطلق عليهم فاقدا تاما للبصر ، إلا أنها تعاني من إعاقة بصرية ، لا تسمح لها بالرؤية إلا بشكل ضعيف جدا ، تحتاج معه إلى الاستعانة بعصاة فاقدي البصر للتحرك .

لم تكن قبل عشر سنوات مضت تعاني فقدان شبه كامل في البصر ، ما تعرضت له ، أنها وضعت في اختبار أحلاهما مر ، كانت تعاني مرضا في عينها ، يتطلب علاجا قويا ، و لكن أعاق العلاج انها كانت حاملا في طفلها ، و ظل لها اتخاذ القرار ، أن تضحي بطفلها في سبيل علاجها ، أم تحتفظ بالطفل ، و تجازف ببصرها ، و اختارت هي الثانية.

و منذ ذلك اليوم دخلت هي حياة المكفوفين ، معاناتهم ، ما يواجهونه من صعوبات في الحياة ، أنشطتهم ، ما اكتشفت أنهم يستطيعون ممارسته رغم عدم استطاعتهم للرؤية .

بالنسبة للطلاب ، فالأمر كان لهم مثيرا حقا ، يخبرني ابني ، أنهم وجهوا لها سيلا من الأسئلة ، يتحدث بعجب عن ان في استطاعة المكفوفين ممارسة لعبة الشطرنج ، و أنهم ليتمكنوا من ذلك فعليهم أن يلمسوا أجزاء اللعبة كلها ، ثم يتصورون اللعبة في ذهنهم ، ليبدأ اللعب بعدها .

بل يلعبون أيضا الملاكمة :) و التزحلق على الجليد .

تخبرهم كيف تطورت لديها حواس اللمس و السمع و الشم منذ فقدت بصرها ، كيف أصبحت أكثر قوة من ذي قبل، تجيب عن تساؤل طالب يسأل هل هناك من يزعجهم من الناس ، لتخبرهم بنعم هناك فئتين من الناس في الشارع ، فئة تساعدنا ، بحب و مودة حقيقية ، و فئة تسخر منهم ، و قد قامت بالإجابة عن السؤال بشكل عملي ، حيث مثل أحد الطلاب أنه كفيف ، و أنها هي من تساعده ، فسالته في المرة الأولى عن رغبته في المساعدة بغلظة ، و بصوت خشن يوحي بالملل و القرف من الشخص الذي هو بحاجة للمساعدة .
ثم كررت الأمر مع نفس الطالب بسؤاله عن حاجته لمساعدة بشكل لطيف حاني ، يوحي حقا برغبتك الحقيقية في تقديم المساعدة لهم .
أوضحت لهم أن من أراد مساعدة كفيف فعليه أن يسير أمامه و ليس خلفه ، حتى يستطيع أن يرى ما أمام ااكفيف،فينبهه

أحضرت معها مجموعة من النظارات ، التي توضح الأشكال المختلفة من إعاقة البصر ، و التي توضح إن ارتديتها كيف ستشاهد الدنيا بعين شخص كفيف تقريبا ، جربها الطلاب جميعها تقريبا ، و شاهدوا كيف أنهم يمكنهم فقط مشاهدة الأشياء الضخمة ، و بشكل غير واضح أيضا أو كيف أنهم يشاهدون ما حولهم من خيط رفيع جدا في النظارة ، و كيف هي الدنيا بهذا الخيط الضعيف .

ارتهم هاتفها المحمول ، و كيف أنها تضغط على زر يخبرها بالوقت ، و زر يخبرها بالبريد الواصل لها أحضرت لهم ورقة كتبت بطريقة برايل ، و سوف يحاول الطلاب الفترة القادمة محاولة ترجمة ما كتب عليها إلى اللغة الألمانية ، ليعرفوا ما الذي كتبته لهم ، أخبرتهم بعدم تمكنها من لغة برايل حتى اليوم ، لأنها كفتاة عاشت 30 عاما بسكل طبيعي يصعب عليها حقا ، أن تتعلم لغة جديدة اليوم من جديد.

سألوها عن وجود كلب يرافقها ، فأجابت بالنفي ، لأنها لا تحتاج لكلب، فمن يحتاج لكلب مرافق هم فاقدوا البصر بشكل كامل ، و أنها هي تكتفي بعصا المكفوفين .

سالتهم هي عن وجود كفيف في أقربائهم ، فاتضح أن أحد الطلاب ، ابن عمه كفيف ، فاقد البصر تماما .

و هكذا استمر اللقاء بينهم ساعتين متكامليتن .

اذن ما الذي استفاده الطلبة من زيارة كهذه ؟؟

  • الكفيف و فاقد البصر ، هو عضو من أعضاء المجتمع ، نستطيع أن نتعايش معه و نشعر بما يواجهه
  • باب الأسئلة المفتوحة بشكل كامل بدون حدود ، و كيف يتعلم الطفل أن يسأل دائما في كل ما لا يفهمه ام لا تعلمه
  • التعامل مع احدى حالات ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عملي قريب ، و ليس مجرد كلمات نظرية تدرس دون الشعور بها
  • يشعر الطلبة من سن صغيرة بمدى المعاناة و التعب الذي يواجهه هؤلاء في حياتهم

فاجئني ابني أنه حاول منذ يومين ، في طريق عودته من المدرسة أن يكون أعمى في جزء من الطريق إلى البيت ، فأغلق عينيه ، و سار قليلا ، و كان الأمر على ما يرام ، حتى اصطدم بدراجة فسقط ، و كيف أن الأمر كان صعبا و ليس سهلا .
و لا أعلم حقيقة ما كانت تحدثهم مدرستهم به ، حتى يعيش الأطفال مع الأمر ، ليجربوه ، و ليحضروا هذا الكم الكبير من الأسئلة

أما ضيفتنا ، فمثل هذه الاحداث تشعرها بأهميتها في المجتمع ، بان وراءها من يدعمها و لا يشعر بالعار من إصابتها ، و لا يتجاهلها ، بل هي اليوم فوق الجميع حقا .

هكذا تولد المجتمعات ،بترابطاتها ، بتعايش أفرادها مع بعضهم البعض ، دون ابعاد فئة منه عن الآخرين ، بل إن تلك الفئات توفر لها الدولة و المجتمع كل ما يمكن أن يساعدها ، و يشعرها بانها جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الذي تعيش فيه

** في ألمانيا يبلغ عدد المكفوفين ، و من يعانون من الإعاقة البصرية حوالي 40000 شخص
** كل ما كتب هو قصة حقيقية بأحداث حقيقية :)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مركز رعاية الأمومة

  شاهدت مؤخرا دراما كورية بعنوان Birthcare Center أو مركز رعاية الأمومة، الدراما تتناول ما بعد الولادة ومرحلة تعافي الأم، في الحقيقة ما ش...