6.4.16

غريب للمرة الأولى




راقبتها و هي تخطوا ببطء إلى الغرفة و تبحث بعينيها عن مكان مناسب لها، و بعد أن استقرت مكانها بالفعل، وقفت على أقدامها ثانية و اقتربت مني لتجلس بجواري.
هي امرأة أفغانية، ترافق ابنتها ابنتي في الحضانة في نفس المجموعة منذ عام مضى، ترتدي غطاءا للرأس ما يلبث أن ينسدل على كتفيها ساقطا ليكشف عن شعرها الأفغاني الأسود. إلا أنه يكفي ليعلم معه الجميع أنها مسملة.
في العام الماضي لم يكن لها احتكاك كبير بالعاملين في الحضانة، كان زوجها و الذي يجيد الألمانية هو المتكفل بكل ما تحتاه ابنتهما في الحضانة، فهو من يحضر معنا اجتماعات أولياء الأمور، و هو من يتحدث مع المشرفات في أي مشكلة تخص ابنته، و كانت هي تكتفي بأن تحضر ابنتها للحضانة في الصباح أحيانا، و تعود بها في آخر اليوم إلى المنزل، محاولة التحدث بكلمات بسيطة، توحي أنها مازالت في بداية تعلمها للغة الألمانية.
هذا العام قررت هي أن تحضر لأول مرة اجتماع أولياء الأمور في بداية السنة، لتدخل إلى الغرفة للمرة الأولى قلقة، لا تدري على وجه اليقين أين يمكنها أن تجلس، حتى حسمت أمرها أخيرا بأن تستقر إلى جواري.
في مثل تلك الاجتماعات في الحضانة، يحاولون أن يكون الأمر أكثر تفاعلا بين الآباء و الأمهات و المشرفين على الأبناء، حيث نلعب بعض الألعاب البسيطة، أو ندخل حوارا يكون الهدف منه ربط كل ولي امره بابنه ليكون معلوما للجميع.
بدأنا مرحلة التعارف الأولى، و بدأ الخجل يظهر عليها كلما اقترب دورها، حتى أفصحت أخيرا أنها لا تعرف حقيقة ما هو ااسم ابنة هذه الأم، ليساعدها الجميع بابتسامات مشجعة لتتمكن من التفاعل معنا، حيث أنها المرة الأولى لها، و لم تتمكن هي بعد من اللغة الألمانية بشكل قوي.
تذكرت نفسي و أنا أراقبها، تذكرتني قبل 8 أعوام و أنا أجلس مكانها، قلقة حائرة، أشعر أن العيون جميعها تتجه نحوي، نحو تلك المرأة بالحجاب، و التي مازالت تتهته بلغة أهل البلاد. تذكرت عدم فهمي للكلمات، و سؤالي ربما عدة مرات لأن يحاولوا تبسيط الكلمات لي لكي أفهم، أو ربما صمتي المطبق و محاولة فهم ما يقولون من حركاتهم و تصرفاتهم و ردود أفعالهم.
تذكرت كيف كان وجهي يحمر خجلا كلما حان دوري للكلام، فلا أجد الكلمات تخرج من بين شفتي إلا بصعوبة.
تذكرت كيف كنت أجد نفسي غريبة، غريبة في ملبسي، و في لغتي، و في أرض غريبة، و بلدة جديدة انتقلت إليها مأخرا، بلا عرب فيها يمكنني أن أتحدث معهم بلغتي، فلا أجد سبيلا للتواصل مع الناس إلا بتحسين ألمانيتي في أسرع وقت ممكن. غريبة في غربات عدة تركت أثرها على نفسي.
إنها المرة الأولى التي أرى نفسي فيها من الجانب الآخر، ذلك الجانب الذي كنت أخشاه في بداية قراري بأن أندمج في ذلك المجتمع.
المرة الأولى التي أرى نفسي فيها و أنا احتل مقعدا من القوم، و لست غريبة عنهم. أراها و هي لا تعلم أن الأمر أيسر كثيرا مما اعتقدته في ذلك اليوم منذ ثماني سنوات.
لم يكن الأمر حقيقة يستحق مني كل ذلك القلق وقتها، فلا الأنظار جميعا تتوجه لذلك الغريب في مرته الأولى، و لا يواجه الناس عدم إلمامه باللغة باستياء كبير كما كنت أظن. بل بالعكس يحاول الأغلبية استيعاب الأمر و تبسيطه و عدم التركيز عليه.
يحاول الجميع مساعدتك لتندمج معهم، عندما يشاهدون أنك تحاول ذلك فعلا. فلا يتركونك على الجانب لأنك غريب لا تعرف لغتهم، بل يُشعرونك بأن الأمر لا يستحق منك ذلك القلق الظاهر على وجهك و حركاتك، يحاولون التقرب إليك، و التحدث معك بلغة مبسطة يمكنك أن تفهمها.
تذكرت كيف أن ذلك اليوم لم يكن اليوم الوحيد لي كغريبة أولى، بل تكرر الأمر في أماكن عدة، و مناسبات مختلفة، فلا يجب أن تكون غريبا عن البلدة و أهلها لتكون غريبا في مناسبة ما، بل ربما اشترك أبناؤك في نشاط جديد، لتصبح غريبا على مجتمعه، فتواجه نفس الموقع، كغريب للمرة الأولى.
و أعلم أنه سيتكرر الأمر مستقبلا، لأكون غريبة للمرة الأولى في أماكن و مناسبات أخرى، إلا أن ما أعلمه اليوم، أن الأمر لا يستحق ذلك القلق المصاحب للموقف، و أن الآخرين على الجانب الآخر لا ينظرون لي كغريبة بتلك النظرة التي كنت أعتقدها.
أنت ستكون غريبا للمرة الأولى في عدة مراحل و محطات في حياتك، فلا داع لأن تفزع من تجربة هذا الأمر، بل حاول أن تستمتع بتجربتك الأولى في هذا المكان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مركز رعاية الأمومة

  شاهدت مؤخرا دراما كورية بعنوان Birthcare Center أو مركز رعاية الأمومة، الدراما تتناول ما بعد الولادة ومرحلة تعافي الأم، في الحقيقة ما ش...