23.3.17

البدايات

* تم نشر المدونة للمرة الأولى على موقع "هافنغتون بوست" بتاريخ 08/11/2016
http://www.huffpostarabi.com/rouaa-mostafa/post_13483_b_12857312.html







قضيت أغلب سنين عمري متنقلة بين ثلاث دول مختلفة، طفولة وبدايات مراهقة في الكويت، انتقلنا بعدها إلى مصر؛ حيث أمضيت مراهقتي بأكملها وأنهيت فيها دراستي الجامعية في كلية فنون تطبيقية كمهندسة طباعة منسوجات، وبعد الانتهاء من تمهيدي الماجستير تزوجت وانتقلت للإقامة في ألمانيا؛ لتستمر إقامتي فيها حتى اليوم.


عند بلوغي الثالثة والثلاثين من العمر، كنت قد قضيت في كل دولة منها ثُلث عمري بالتمام.. 11 عاماً في كل دولة.. تركَت كل منها أثراً في حياتي، انتقل معي أثناء انتقالي من مكان لآخر؛ ليستمر أثر الحياة في كل من الكويت ومصر معي أثناء معيشتي الحالية في ألمانيا.
عندما تنتقل للحياة في مكان آخر، تشعر بأنك تبدأ الرحلة من بدايتها، فلكل مكان بصمته الخاصة، وأسلوب حياته المنفرد، يُضاف لذلك مرحلتك العمرية، وخبراتك التي اكتسبتها على مر السنين، إلا أنها تظل في النهاية بداية من البدايات.
منذ انتقالي إلى ألمانيا، وكل ما يمر عليّ فيها هو بداية جديدة، لم يسبق لي التعامل معها من قبل.. بداية من تعلم اللغة الألمانية، مروراً بإنجابي لأبنائي، بالإضافة لمحطات مختلفة ومتنوعة، وصولاً لتجربتي الأخيرة في الانضمام لحزب سياسي.
وتختلف رحلة البدايات جميعها عن رحلة الأبناء، فلكل مرحلة منهم بداية، ولكل أمر يخصهم بداية.. تؤثر عليك، كما تؤثر أنت فيها.

تمثل ألمانيا بالنسبة لي البداية الكبرى لكل شيء، فيها بدأت أدخل عالم الكتابة للمرة الأولى، وفيها تعلمت كيف يختلف الناس عن بعضهم البعض، وكيف عليك أن تتقبل اختلافهم.
فيها تزوجت، وبها أنجبت أبنائي، وفيها كانت التحولات الكبرى لتفكيري.
كامرأة مسلمة محجبة تعيش في أوروبا، أحاول أن أحافظ على تمسك أبنائي بدينهم، ولغتهم، ربما بأسلوب مختلف عما نشأت عليه، يجمع ما بين انفتاحهم على واقعهم الجديد، والحرص على ما لا يغضب الله.

وفي وسط محاولاتي الاندماج في مجتمع مختلف، مختلف في اللغة والدين والعادات والتقاليد، وأن أترك أثراً ما عند الرحيل، تتعرض أسرتنا الصغيرة للكثير من المواقف والتحديات، تحتوي العديد من القصص والدروس والخبرات.


قررت منذ عامي السابع في ألمانيا أن أتفرغ لرعاية أبنائي، وبقناعتي أنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وجدت أن العمل وربما الدراسة لا مكان لهما عندي إذا ما قررت أن أراعي الأمانة التي رزقني الله بها.
تُختصر حياة الأم عادة، خاصة إن لم تكن أماً عاملة، في تربية أبنائها ورعايتهم، ورعاية منزلها والحرص على سعادة أسرتها، ينظر لها البعض على أن تطورها في العالم قد توقف في اللحظة التي قررت فيها التفرغ لرعاية الصغار، وتناست هي أن تربية الأبناء هي مرحلة ما من مراحل حياتها، تنتهي بوضعهم على أعتاب طريقهم الخاص، لتجد نفسها في النهاية وقد وصلت لمحطة لا تعلم بعدها في أي طريق عليها أن تسير، ما بين شعورها بانتهاء رحلتها قبل الأوان، وبأن في العمر والصحة والطاقة ما زال هناك متسع، إلا أن الطريق بات باهتاً، لا تستطيع تبينه، ربما يتطلب الأمر أن تبحث في أثناء مرحلة تربية الأبناء عما يمكن أن يمثل لها مستقبلها ومرحلتها المقبلة.. تبدأ فيها بدايات بسيطة، تبني عليها مع الوقت، لتجد أنها تمتلك طريقاً واضحاً تستطيع أن تسير فيه، عند رحيل الأبناء ونهاية مرحلة اعتمادهم عليها.

ما بين دوري كأم، ورغبتي في ترك أثر ما في الدنيا، تدور بداياتي، ومن البدايات تأتي دروس الحياة، فوراء كل درس بداية ما أدت إليه، وطورت أحداثه ونتائجه، لكل بداية منها حكاية، وفي كل بداية منها تحدٍّ جديد.


عن تربيتي لأبنائي في ألمانيا، وبحثي عن ذاتي ونفسي لمستقبل الأيام، من واقع الحياة لمسلمة في أوروبا تدور تدويناتي.

16.9.16

تعودنا ...




من يومين تقريبا كنت باتكلم مع حد عن أسلوب معين في الكلام من شخص ثاني شايفة إنه غلط ومش كويس إنه يتقال، وباتكلم إنه مفروض ما نقبلش بالاسلوب ده، كان رده عليا وقتها، لا ماخلاص احنا اتعودنا...
التعود في بلادنا العربية أصبح سمة أساسية فيها، بس المشكلة إنك بتتعود على الصح والغلط بدون تفرقة ايه اللي فروض أقبل إني اتعود عليه، وايه اللي مفروض أقاوم إني اتعود عليه .
اتعودنا على إن الطفل ممكن يشتم الكبير، وأصبح عادي لما بنسمع..
اتعودنا على إن الموظفين ياخدوا رشاوي علشان يخلصولنا مصالحنا..
اتعودنا على إن الحاجات تغلى ونستغنى عن حاجات علشان الدنيا تمشي وخلاص..
فيه زوجات اتودت إن زوجها يضربها أو يسبها، أو يهينها، علشان تمشي حالها وتحافظ على ولادها...
اتعودنا على القهر والذل، وحتى يوم ما عملنا ثورة اتعودنا بسرعة على لذة الانتصار ونسينا إن النصر محتاج وراه شغل وبذل مجهود..
وبدأنا نتعود على وضع الانقلاب وان السيسي هو رئيس البلد ...
اتعودنا على حاجات كثير جدا، وده المصيبة والمشكلة الكبرى...
التعود بيخلي الانسان يتخلى عن طموحاته... بيخليه يرضى بالوضع القائم ومايحاولش يغيره .. بيخليه يرضى بالقهر والذل ساعات لإنه خلاص اتعود إن ده الوضع العام والمستمر ..
أيوة لو وضعه اتغير هيفرح ويحس إنه أخد حقه، لكنه مش هيسعى إنه يغير الوضع ده بنفسه، هيستنى دايما إن حد تاني هو الل يغيره له وضعه اللي اتعود عليه..

كان فيه مسلسل انتج سنة 1977 اسمه"جذور" بيحكي قصة كونتا كينتي Kunta Kinte، واللي اتاخد من رواية بنفس الاسم، بتحكي قصة العبد الأفريقي اللي اتمسك في أفريقيا ورحل إلى أمريكا، وهناك رفض إن اسمه يتغير، ورفض إنه يكون عبد. المسلسل بيحكي قصته وبيحكي عن مقاومته للتعود على إنه يكون عبد، بيحكي عن محاولات هروبه المستمرة واللي كانت بتنتهي كل مرة بتعذيبه عذاب رهيب ، علشان في أول فرصة بعدها يحاول يهرب تاني..
عبيد كثير حاولوا يقنعوه إنه مفروض يتعود وإنه أصبح عبد خلاص، لكنه رفض إنه يخضع لفكرة التعود، كان عايش علشان يقاوم إنه يتعود يكون عبد لآخر لحظة في حياته.

فيلم Twelve years slave ، بيحكي نفس الفكرة، رفض العبد إنه يتعود على إنه عبد، ومحاولاته الدائمة لمحاولة حصوله على حريته...
من أسوأ ما يصاب به الحر هو أن يتعود على وضع خاطئ، ويكون تعوده بدايه استسلامه له في النهاية، فلا يسعى بعذ ذلك أبدا لأن يغير ما أصاب واقعه من خلل.
ما تتعودوش على الغلط، ممكن تصبروا عليه، وتحاولوا تستحملوه مع محاولاتكم دايما لتغييره، لكن حطوا في دماغكم دايما إن الوضع ده غلط ولازم يتغير في يوم من الأيام.

رواء مصطفى

13.5.16

التعليم المنزلي‬ VS ‫التعليم المدرسي‬


من حوالي 3 سنوات بدأت دعوات كثير جدا تدعو الأمهات للتوجه للتعليم المنزلي.
في بلد تعاني منظومة التعليم فيها من فشل ذريع يجعلها تحتل المركز الأخير أو ما قبل الأخير على مستوى العالم في التعليم، و مع ما لمسناه بأنفسنا في تعلمنا في مدارسنا منذ الصغر، كان التوجه لفكرة التعليم المنزلي، أو التعليم الموازي هو أمر منطقي للغاية، لمن يسعى صدقا لأن ينقذ أبناءه من أن يكبرون و هم يعلمون الحد الأدنى، إن لم يكن ما دون الأدنى من العلوم.
لم تكن المشكلة لدينا في فكرة التعليم المنزلي في حد ذاتها، بل كانت و مازالت تتمثل فيعدة نقاط أساسية:
- فهمنا لمسألة التعليم المنزلي و تحويلها لأمر نستطيع التعايش معه بشكل سلس و سهل، يسمح لأبنائنا أن يكون لهم عالمهم الخاص بعيدا عن والديهم ( والدتهم خاصة)ز
- أن التعليم المنزلي أو الموازي قد لا يتعارض مع التعليم المدرسي، بل قد يكون حافزا مناسبا و داعما أساسيا لطلبة المدارس.
- أن التعليم المنزلي غير مناسب لجميع الآباء، و لا لجميع الأمهات، فما تستطيع أم ما القيام به في منزلها مع أبنائها، قد لا تتمكن أخرى من القيام بعُشره معهم.
أما المشكلة الأكبر فكانت أن التعليم المنزلي قد تحول إلى موضة من الموضات التي يلجأ لها النسا بشكل عام، و العرب و المصريين بشكل خاص، حيث يكون هناك أمر ما ينتشر ما بين طبقات المجتمع كلها سواء كان الأمر مناسبا لهم أم لا.
و ككل موضة يتخذها العرب من فترة لأخرى، تم الترويج للتعليم المنزلي أنه البديل الوحيد للتعليم الفاشل في بلادنا، و تم الترويج له بشكل وحيد ألا و هو القيام بتعليم الطفل كل شيء في المنزل عن طريق الأم.
اذن وصل التعليم المنزلي إلى مرتبة البطولة المنفردة، و التي تؤهل الأم التي تقول به إلى أنها الأم الوحيدة الحريصة على مصلحة أبنائها، و أنها فقط من ترجو لهم الخير باتباعها له. و أن الأم التي لا تساعدها ظروفها على القيام به ( ليس فقط بسبب العمل، بل قد يكون في غالب الأحيا لعدم قدرتها و لا تحملها لهذا الأمر) هي أم مهملة تهمل أبناءها و لا تسعى للأفضل لهم.
بل لم يراعي الداعين إلى التعليم المنزلي قدرات الطفل نفسه، و هل هو طفل يستطيع أن يظل أغلب نهاره في المنزل ليتلقى تعليمه من شخص واحد فقط، أم أن شخصيته لن تتماشى من هذا الأمر.
تحول التعليم المنزلي إلى موضة، انتقل بها الناس من بلادهم ذات التعليم المتأخر إلى الدول الآخرى التي سافروا إليها، دون أن يعطوا أنفسهم و لو زمنا لدراسة كيفية التعليم المدرسي في تلك البلاد الجديدة، فلا يلبث الأمر 3 أشهر لتبحث الأم عن كيف يمكنها التلاعب في القانون الذي يلزم الأهل بالتعليم المدرسي.
و مع تحول الأمر لموضة، فلقد بدأت الأمهات اللاتي يرسلن أبناءهن للمدراس بالشعور بالإحباط الشديد، و بالنقص و الدونية، و أنهم غير جديرات بالحصول على لقب الأمومة، لأن غيرهن من الأمهات هن أمهات سوبر، يعلمن أبناءهن و يحافظن على منازلهن نظيفة براقة مشرقة، يطبخون كل يوم، أو هكذا كانت الصورة التي حاول متبني التعليم المنزلي توصيلها للناس لمدة عامين و نصف، و هو الأمر الذي بدأ مشاهير التعليم المنزلي في تداركه مأخرا، حيث أصبحوا يحاولون إزالة صورة السوبر هيرو ماما من أذهان الناس، و أنا أم عادية قد تنجح أحيانا و قد تخفق أخرى.
ليس هناك وجود لريقة التعليم الأمثل على مستوى العالم، فكل شخص هو أعلم بظروفه و ظروف أبنائه و اختلاف شخصياتهم، فما قد يناسبك، قد لا ياسبني. فلا داع لمحاولة فرض أمر ما لمجرد أنها الموضة الحالية التي يجب على الجميع اتباعها.
ربما يناسبك التعليم المنزلي مع قدراتك و شخصية أبنائك، و قد يناسبك التعليم المدرسي تبعا لقدراتك و شخصيات أبنائك، و قد يناسبك المزج بينهما، فافعل ما يناسبك و يناسب طبيعة ابنك دون النظر إلى ما يحاول الآخرين ترويجه، و تقليل شأن من لا يمارسه.

6.4.16

غريب للمرة الأولى




راقبتها و هي تخطوا ببطء إلى الغرفة و تبحث بعينيها عن مكان مناسب لها، و بعد أن استقرت مكانها بالفعل، وقفت على أقدامها ثانية و اقتربت مني لتجلس بجواري.
هي امرأة أفغانية، ترافق ابنتها ابنتي في الحضانة في نفس المجموعة منذ عام مضى، ترتدي غطاءا للرأس ما يلبث أن ينسدل على كتفيها ساقطا ليكشف عن شعرها الأفغاني الأسود. إلا أنه يكفي ليعلم معه الجميع أنها مسملة.
في العام الماضي لم يكن لها احتكاك كبير بالعاملين في الحضانة، كان زوجها و الذي يجيد الألمانية هو المتكفل بكل ما تحتاه ابنتهما في الحضانة، فهو من يحضر معنا اجتماعات أولياء الأمور، و هو من يتحدث مع المشرفات في أي مشكلة تخص ابنته، و كانت هي تكتفي بأن تحضر ابنتها للحضانة في الصباح أحيانا، و تعود بها في آخر اليوم إلى المنزل، محاولة التحدث بكلمات بسيطة، توحي أنها مازالت في بداية تعلمها للغة الألمانية.
هذا العام قررت هي أن تحضر لأول مرة اجتماع أولياء الأمور في بداية السنة، لتدخل إلى الغرفة للمرة الأولى قلقة، لا تدري على وجه اليقين أين يمكنها أن تجلس، حتى حسمت أمرها أخيرا بأن تستقر إلى جواري.
في مثل تلك الاجتماعات في الحضانة، يحاولون أن يكون الأمر أكثر تفاعلا بين الآباء و الأمهات و المشرفين على الأبناء، حيث نلعب بعض الألعاب البسيطة، أو ندخل حوارا يكون الهدف منه ربط كل ولي امره بابنه ليكون معلوما للجميع.
بدأنا مرحلة التعارف الأولى، و بدأ الخجل يظهر عليها كلما اقترب دورها، حتى أفصحت أخيرا أنها لا تعرف حقيقة ما هو ااسم ابنة هذه الأم، ليساعدها الجميع بابتسامات مشجعة لتتمكن من التفاعل معنا، حيث أنها المرة الأولى لها، و لم تتمكن هي بعد من اللغة الألمانية بشكل قوي.
تذكرت نفسي و أنا أراقبها، تذكرتني قبل 8 أعوام و أنا أجلس مكانها، قلقة حائرة، أشعر أن العيون جميعها تتجه نحوي، نحو تلك المرأة بالحجاب، و التي مازالت تتهته بلغة أهل البلاد. تذكرت عدم فهمي للكلمات، و سؤالي ربما عدة مرات لأن يحاولوا تبسيط الكلمات لي لكي أفهم، أو ربما صمتي المطبق و محاولة فهم ما يقولون من حركاتهم و تصرفاتهم و ردود أفعالهم.
تذكرت كيف كان وجهي يحمر خجلا كلما حان دوري للكلام، فلا أجد الكلمات تخرج من بين شفتي إلا بصعوبة.
تذكرت كيف كنت أجد نفسي غريبة، غريبة في ملبسي، و في لغتي، و في أرض غريبة، و بلدة جديدة انتقلت إليها مأخرا، بلا عرب فيها يمكنني أن أتحدث معهم بلغتي، فلا أجد سبيلا للتواصل مع الناس إلا بتحسين ألمانيتي في أسرع وقت ممكن. غريبة في غربات عدة تركت أثرها على نفسي.
إنها المرة الأولى التي أرى نفسي فيها من الجانب الآخر، ذلك الجانب الذي كنت أخشاه في بداية قراري بأن أندمج في ذلك المجتمع.
المرة الأولى التي أرى نفسي فيها و أنا احتل مقعدا من القوم، و لست غريبة عنهم. أراها و هي لا تعلم أن الأمر أيسر كثيرا مما اعتقدته في ذلك اليوم منذ ثماني سنوات.
لم يكن الأمر حقيقة يستحق مني كل ذلك القلق وقتها، فلا الأنظار جميعا تتوجه لذلك الغريب في مرته الأولى، و لا يواجه الناس عدم إلمامه باللغة باستياء كبير كما كنت أظن. بل بالعكس يحاول الأغلبية استيعاب الأمر و تبسيطه و عدم التركيز عليه.
يحاول الجميع مساعدتك لتندمج معهم، عندما يشاهدون أنك تحاول ذلك فعلا. فلا يتركونك على الجانب لأنك غريب لا تعرف لغتهم، بل يُشعرونك بأن الأمر لا يستحق منك ذلك القلق الظاهر على وجهك و حركاتك، يحاولون التقرب إليك، و التحدث معك بلغة مبسطة يمكنك أن تفهمها.
تذكرت كيف أن ذلك اليوم لم يكن اليوم الوحيد لي كغريبة أولى، بل تكرر الأمر في أماكن عدة، و مناسبات مختلفة، فلا يجب أن تكون غريبا عن البلدة و أهلها لتكون غريبا في مناسبة ما، بل ربما اشترك أبناؤك في نشاط جديد، لتصبح غريبا على مجتمعه، فتواجه نفس الموقع، كغريب للمرة الأولى.
و أعلم أنه سيتكرر الأمر مستقبلا، لأكون غريبة للمرة الأولى في أماكن و مناسبات أخرى، إلا أن ما أعلمه اليوم، أن الأمر لا يستحق ذلك القلق المصاحب للموقف، و أن الآخرين على الجانب الآخر لا ينظرون لي كغريبة بتلك النظرة التي كنت أعتقدها.
أنت ستكون غريبا للمرة الأولى في عدة مراحل و محطات في حياتك، فلا داع لأن تفزع من تجربة هذا الأمر، بل حاول أن تستمتع بتجربتك الأولى في هذا المكان.

12.11.15

#‏خارج_السياق‬ ‫#‏رغي‬


(1)
في الصيف الماضي قرأت خبرا في صحيفة ألمانية، يحذرون فيه من قرب اختفاء نوع من أنواع النمل، ألا و هو "النمل الأحمر الكبير"، و تحدثت المقالة عن مدى الخسارة التي سيتسبب فيها اختفاء هذا النمل للأراضي الزراعية، و الأرض بصفة عامة، حيث أنه من أهم حشرات تقليب التربة.
جال بخاطري حينها، أنني فعلا لم أعد أرى هذا النوع من النمل لما يقارب العامين، بل ربما حمدت الله حينها أنني لم أعد أراه، إلا أنني و بمجرد إنتهائي من قراءة المقال، دعوت الله أن لا يختفي هذا النمل حقا، رغم أنه كان من أكبر مخاوفي كلما اقترب الصيف، مع حروبي المستمرة ضده حتى لا أسمح له باستوطان المنزل طيلة فصل الصيف.
(2)
منذ عامين، كان الشتاء الأقل برودة منذ قدمت إلى ألمانيا، كان الأمر حقا رائعا بأنني لم أعد أضطر لارتداء الكثير من الملابس، و الثقيل من المعاطف طيلة هذا الفصل، ربما اشتقت للون الثلج و ملمسه، إلا أن دفء الجو كان كافيا لعدم حزنك على الثلج كثيرا. تفكرت ربما مع انتهاء فصل الشتاء، أن الحشرات هذا العام ستكون كثيرة للغاية، حيث أن البرودة لم تكن كافية لقتلها و التخلص منها طيلة فصل الشتاء، و هو ما قد كان حقا.
ربما يكون صيف هذا العام، هو الفترة التي شاهدت فيها أكبر كمية من الحشرات في ألمانيا، و لوجود حديقة صغيرة في منزلنا، فقد كانت الفرصة مواتية للغاية، لكي أشاهد حشرات لم أرها في حياتي مسبقا.
كان صيف هذا العام هو الأكثر في الإصابة بالأمراض، مع أمراض نشأت خاصة مع تواجد هذا الكم الكبير من الحشرات، التي كانت تتسبب البرودة الشديدة في عدم تواجدها في الصيف الذي يليها.
(3)
ربما أكون ممن يحبون الأمطار بشكل عام، أحب ملمس قطرات المطر و هي تلمس وجهي للمرة الأولى قبل أن تستقر على الأرض، و أتذكر دائما مقولة حبيبي رسول الله، أن المطر حديث عهد بربي، فلا أحب أن أمنعه عني بامساكي لمظلة، تبعد هذه القطرات المباركة عن ملامسة جسدي. إلا أنه و مع تكرار المطر كثيرا، و كثيرا جدا، كانت تأتي علي أيام تصيبني فيها الكآبة بسبب استمرار هطول الأمطار لسبعة أيام متتالية. ألم يكف الأرض ماءا حتى الآن؟!
أحيانا عندما تمتلك أغراضا معينة تختلف نظرتك لكثير من الأمور، ربما بدأت أشعر بنعمة المطر بعد امتلاكي لتلك الحديقة، فكلما تأخر المطر في الهطول، لا أشعر أن أرض حديقتي قد أخدت ما يكفيها من المياه، حتى و إن استمريت ساعة كامة أحاول أن أرويها بنفسي. أشعر بالأسى حقا لشجيراتي وأزهاري، لإنها تشتاق لأن ترتوي، ولا يكفيها ما أعطيها إياه.
لا تكتفي بمياه قادمة من صنبور صغير، إلا أن أمطارا استمرت لخمس دقائق فقط، ربما تكون كافية للأرض و الزرع بما فيه الكفاية ربما ليومين قادمين.
(4)
اقتربنا من منتصف نوفمبر، و هو عادة ما يكون الجو فيه قد بدأ بالاقتراب من درجة الصفر، إلا أننا هذا العام، مازلنا ننعم بسماء صافية أغلب الأيام، مع شمس دافئة. حيث برودة في الصباح، و شعور بدفء كبير يقترب من الحر عند الظهيرة.
ذلك التغير في الحرارة يسمح عادة بانتشار الميكروبات و الفيروسات في الجو بمنتهى السهولة، و هو ما تلاحظه من عدد المرضى من حولك في مثل تلك التغيرات الجوية.
تعلم أن الله ما خلق شيئا إلا ليكون نعمة للبشر، ربما لا تشعر أنت أنها نعمة في حينها، بل ربما تعتبرها مصدر إزعاج لك، إلا أنها نعمة، لنعمة أخرى تشعر أنت بمدى فائدتها لك.
البرد الشديد نعمة من الله. النمل نعمة من الله. حتى الزيادة من المطر أو الشمس، هي نعم تتسبب في نعم أخرى من الله.
ربما يحتاج الشخص منا أن يعيش ظروفا مختلفة عما تعود عليه طيلة عمره، ليستكشف في خلق الله ما لم يكن سيدركه إن لم تتغير أحواله، و تتبدل أموره.

10.11.15

اللاجئون السوريون ما بين الكرم الألماني و العودة لنقطة الصفر من جديد.

فاجئت ميركل الجميع حين أعلنت فتح أبواب ألمانيا لتدفق اللاجئين الأخير على أوروبا، فبينما وجد اللاجئون في قرارها ملاذا آمنا، كانت دهشة العالم بالقرار الألماني بالغة، ربما تكون قد تجلت بوضوح في محاولات التبرير الروسية و الفرنسية خاصة، في المآرب الألمانية الحقيقية وراء هذا القرار الغريب.
و في الوقت الذي بدأ العالم يتعامل مع حقيقة أن ألمانيا أحرجت الجميع بسماحها للاجئين بدخول أراضيها، كان حزب ميركل الحاكم ما يزال قابعا في مفاجئته من قرارها، مع عدم تقبل واضح لهذا القرار من قبل حليفهم في الحكم.
و في الوقت الذي كان السياسيون يناقشون بغضب ما بين متفهم للقرار و رافض له، كان تدفق اللاجئين على ألمانيا مستمرا لم يتوقف، بدأ باستقرار اللاجئين في ميونخ بعد دخولهم إلى الأراضي الألمانية عبر مرورهم بالنمسا، حتى أعلنت المدينة عدم قدرتها لاستيعاب المزيد، مما اضطر القطارات لأن تغادر محطة ميونخ و هي ممتلئة، ليعاد توزيع اللاجئون إلى مدن ألمانية أخرى، ما بين ألمانيا الشرقية، و الغربية.
و لم يمنع الغضب السياسي الواضح من الحزب الحاكم، أن يتفاعل الألمان أنفسهم مع اللاجئون، مع تقديمهم كل المساعدات الممكنة، سواء بالتبرعات العينية و التي أعلنت الشرطة أكثر من مرة أنهم وصلوا لحالة الاكتفاء التام، إلى الوقوف بالساعات لتوزيع الغذاء و الملابس الشتوية على الزائرين الجدد.
و في خطوة ترحيبة واضحة،ظهرت لأول مرة في ألمانيا، صحيفة ألمانية، خصصت صفحتان كاملتان فيها، ليكتب فيهما بالعربية، لمخاطبة الجزء الأكبر من اللاجئين الهاربين من حمى الحرب في بلادهم. موضوعات عربية صغيرة، ترحب بهم و تشرح لهم معالم برلين، و الأماكن التي قد يطلبون منها المساعدة.
و لمت كتف ميركل بفتح أبواب ألمانيا على مصراعيها، بل سرعان ما أعلنت هيئة الهجرة و اللجوء الألمانية، أن السوريون خاصة سيتم منحهم الموافقة على اللجوء بنسبة 100 %، باستثناء هؤلاء ممن يتم الشك في انتمائهم إلى منظمات إرهابية. ليكون السوريون هم فقط أصحاب الحق الكامل في الحصول على اللجوء الألماني، ما يؤهلهم بعد ذلك للحياة باستقرار اخيرا في بلد ما ، و استدعاء اهلهم و أسرهم بعد ذلك.
لم تتم تلك القرارات في ظروف هادئة تماما، ففي الوقت الذي كانت تقف فيه ميركل شبه وحيدة أمام معارضة حزبها، و حليفه، كان عليها أن تخوض معركة أخرى مع دول الاتحاد الأوروبي، لتحصل على اتفاق يتم بناءا عليه، توزيع اللاجئين الجدد  على دول أوروبا كافة، فلا تتحمل ألمانيا وحدها تكاليف استضافتهم فيها، و هي المعركة التي خرجت منها ميركل بهزيمة ساحقة حتى يومنا هذا، حيث لم يتم التوصل حتى الآن لأي اتفاق، و لا يشكل إعلان بعض الدول لاستضافة أعداد هزيلة من اللاجئين، أي نتيجة لنتائج اجتماعات ألمانيا المستمرة مع دول الاتحاد الأوروبي.
مضى أكثر من شهران، منذ قرار ميركل الغبي " كماوصفه أحد النواب الهولنديين"، و الذي بدأت ألمانيا مع الزمن الشعور بأنها قد أورطت نفسها فيما ليست هي قِبله. بدأ الأمر بإقرار قانون لجوء جديد، به الكثير من الصعوبات. ليدخل حيز التنفيذ بمجرد إقراره و متقدما على الموعد المتفق على العمل به بأكثر من أسبوع. بناءاعلى هذا القانون، لن يتم دفع مستحقات مالية لمن لم يتم البت في طلب لجوئه، بل سيحصل على مساعدات عينية فقط. كما أن اللاجئون الذين لن يحصلوا على أحقية اللجوء، سيتم التسريع بترحيلهم خارج البلاد. مع العديد من البنود التي وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها تعسفية، و لا تتفق مع حقوق الإنسان و اللاجئين.
و لكن يبدوا أن قانون اللجوء الجديد، لن يكون نهاية المطاف للاجئين، فلقد بدأت الأصوات بالارتفاع مجددا، بأن لا يُمنح السوريون حق الإقامة الكاملة في ألمانيا، بل فقط إقامة مؤقتة، مع عدم احقيتهم في جمع لم شمل أسرهم معهم في ألمانيا. و هي الأصوات التي بدأت تلقى قبولا من العديد من السياسيين في حكومة ميركل اللإتلافية.
يبدو أن ميركل لم تجري حسابباتها كما يجب حين سمحت للاجئين بالعبور إلى ألمانيا، و قررت بكرم ألماني غريب أن تمنحهم جميعا حق اللجوء الكامل في البلاد. يبدو أنها لم تتوقع كل تلك الأعداد الضخمة التي مازالت تتوافد على البلاد، في ظل رفض أوروبي لهذه الهجمة الإسلامية المفاجئة على أوروبا.
و ليت الأمر سيتوقف على الأعداد القادمة، إلا أن وراء كل شخص منهم حاصل على حق اللجوء، أسرة كاملة ينتظر على أحر من الجمر أن يجتمع شمله بها أخيرا، بعد تشتت طال أربع سنوات ما بين سوريا و الأردن و تركيا. و هو ما يبدو أن ألمانيا تتجه إلى عدم السماح بذلك في المرحلة القادمة.
لا يعلم أحد حتى الآن سبب قرار ميركل الكريم المفاجئ سابقا، و لا يعلم أحد ما الذي سيحل بهذا الشعب السوري إذا وافقت الحكومة الألمانية حقا على قرار وزير داخليتها بإعطاء السوريون حق الإقامة المؤقتة، و عدم السماح لهم بلم شمل أسرهم معهم.
يبدو أن الأيام ما زالت تخبئ الكثير للاجئين السوريين، و يبدوا جليا أن وصولهم إلى ألمانيا قد لا يكون هو محطتهم الأخيرة.

** تحديث..
تقرر في نفس يوم كتابة المقال أن يتم تطبيق اتفاقية دبلن على اللاجئين السوريين، و هي الاتفاقية التي استثنت ألمانيا منها السوريين حتى يتمكنوا من دخول ألمانيا و البقاء بها، دون ترحيلهم إلى الدولة الأوروبية الأولى التي دخلوا أوروبا من خلالها.

م. رواء مصطفى
10/11/2015

9.11.15

آيا صوفيا و السلطان أحمد


يُحكى أن محمد الفاتح حول آيا صوفيا لمسجد في يوم الجمعة التالي لفتح القسطنطينية، حيث لمي جد المسلمون مكانا للصلاة فيه، قبل أن يقوم بعد ذلك بشرائها بالمال.
تلك الكاتدرائية التي كانت تمثل الدين المسيحي للدولة البيزنطية، و التي بذل فيها من الذهب و المال، ما جعلها وقتها أعظم كنيسة تم بناؤها في التاريخ المسيحي أجمع.
تدلف إلى داخلها، لتقابلك نقوشها البيزنطية الواضحة تزين السقف، الذي مازالت تبدوا على بعض أجزائه قليل  لم يُمحى من الذهب. تتعمق في داخلها أكثر، لتبدأ الآثار الإسلامية متعانقة مع البيزنطية في الظهور، في تناغم لا تشعر معه بالنفور، أو أن هناك أثرا قد فرض نفسه على الآخر . حتى تصل إلى منبرها الكبير، لتجد فوقة لوحة كبيرة تزينها " الله جل جلاله" و يقع على الحائط المقابل لك مباشرة صورة العذراء و هي تحمل المسيح صغيرا. و تزين أعلى قبة فيها آية " الله نور السموات و الأرض" لتمثل هي أعلى نقطة في هذا المسجد.
لم يقم محمد الفاتح، أو من جاء بعده بإلغاء الرسومات التي زينت الكاتدرائية قديما، يُقال أنهم طمسوا بعضها، و عندما تحولت آيا صوفيا لمتحف كُشف عن المطموس منها من جديد.
تتسلق للدور العلوي، في طريق منحدر يماثل صعودك لثلاث طوابق مجتمعة، على أرضية ملساء، تتلمس طريقك فيها جيدا خشية السقوط أثناء سيرك للأعلى. للتجول في طرقات، ترى فها كيف تختلف الأيام بين الناس، و كيف تسير بقدميك في أماكن قد خصصت فقط ليسير على أرضها الملوك، فأين هم الملوك اليوم، و من يمنعك أن تسير بقدميك حيث ساروا.
تغادر آيا صوفيا مبهورا بروعة عمارتها و هيبة مبناها، لتقع عيناك أول ما تقع على مشهد أكثر عظمة و أكبر إجلالا، حيث تشاهد أول ما تشاهد الجامع الأزرق، بشموخه و عظمته و روعته و مآذنه. فلا يتغلب على انبهارك بآيا صوفيا، إلا انبهارك بمسجد السلطان أحمد.

مركز رعاية الأمومة

  شاهدت مؤخرا دراما كورية بعنوان Birthcare Center أو مركز رعاية الأمومة، الدراما تتناول ما بعد الولادة ومرحلة تعافي الأم، في الحقيقة ما ش...