9.9.15

أين أكون من نفسي ...

كنت و مازلت أكره لحظات التعريف الأولى .. ذلك التعريف الذي يحكم على الشخص للوهلة الأولى من عمله أو دراسته. فلان الفلاني .. مهندس في المكان الفلاني، فلانة .. طبيبة في المستشفى الفلانية. لا أحب ذلك النوع من التعريف، نعم أنا مهندسة، تخرجت بتقدير جيد، لم أكن أعمل لفترة قريبة، و لا أجد أن تعريف أحدهم عني بأني فلانة المهندسة قد أضاف كثيرا في الاتجاه الصحيح للتعريف.
أتساءل كثيرا، لماذا لا يكون التعريف فقط بالأسماء الأولى، و نترك للحديث أن يعرف كل شخص عن الآخر تبعا لدورانه و موضوعه.
و كما لم أحب لحظات التعريف، فلم أحب أبدا أن أُعرّف بأمي. في بعض البلاد و الأماكن، و الطبقات الاجتماعية، أعلم تماما أن مجرد ذكري بأنني ابنة فلانة، سيجعل لي الكثير من الأبواب، و يجعل الكثيرين مقبلين على التعرف عليّ.. إلا أنني لم ألجأ لذلك إلا في حالات ربما تعد على أصابع اليد الواحدة.
أفضل دوما أن يفضل الناس التعرف عليّ لشخصي أنا، و ليس بسبب دراستي أو عملي، أو بسبب أمي أو أبي.. أفضل أن يعرفني الآخرون بسبب شخصيتي و كيف أكون فقط لا غير .
و لكن من هي حقا أنا ؟؟
سؤال لم أجد له إجابة مقنعة حتى اليوم .. هل أكون تلك المهندسة التي تكتسب الاحترام فقط بذكر مستوى دراستها !!
أم أكون تلك الأم التي ترعى 3 من الأبناء و تحاول أن تبتكر جديدا لتربيتهم!
أم هي تلك الصديقة التي تحب أن لا تتسبب في ضيق لأحد أصدقائها!
من هي مزيج من كل ما سبق، تتبادل فيه الأدوار سويا تبعا للحاجة إليها.
كثيرا ما يأتي علي من أوقات، لا أعرف كيف يمكنني تعريف نفسي، فإذا ما سألني أحدهم من أنت، بماذا يمكنني أن أجيب. ما أحبه فعلا هو أن أعرف نفسي هكذا " رواء " فقط لا غير. " رواء" وحدها تكفيني، نعم سيطلب محدثي تكرار الاسم لأنها المرة الأولى التي يسمعه فيها، أو لأنه من الصعوبة بحيث يستطيع أن يردده من المرة الأولى. ربما سيكون علي أحيانا أن أردده بالتشكيل، و أن أشرح ماذا يعني. و لكنها أمور قد اعتدت عليها منذ الصغر، و لم تعد تؤلمني كما كانت سابقا. إلا أننا مازلنا نعيش في مجتمع لا يكتفي بأن يعرفك باسمك فقط. هو يريد أن يعرف مستوى تعليمك الجامعي، و بالطبع لا يجب أن يكون أقل من تعليم جامعي، لتنتقل إلى المستوى الثاني و هو هل أنت خريج كلية من كليات القمة أم ما أسفل منها. ثم يأتي التقييم الثالث، هل أعمل أم أنني ربة منزل قررت بكامل حريتي أن أتفرغ لرعاية أبنائي، فإن كنت الاولى فنظرات الإعجاب تزداد إشراقا، و إن كنت الثانية فتبدأ الشفاه في الامتعاض قليلا. بعض الأوساط تريد تقيما على الزوج و مكان دراسة الأبناء أيضا.
لماذا لا تكون الحياة بسيطة، لماذا لا تكون الحياة أكثر بساطة من كل ذلك التعقيد؟!

نعم مازلت لا أحب لحظات التعريف الأولى، و لاأعتقد أنني سأحبها يوما في وسط تعاملاتي مع مجتمعنا العربي. و نعم ما زلت لم أعلم من أكون أنا، و كيف يمكنني أن أعرف نفسي لشخص أتعرف عليه للمرة الأولى.
و لكن هل يهم فعلا من أكون؟ أم أن حياتي في هذه الدنيا كلها لم تعد تمثل أهمية بالنسبة لي حتى أجهد نفسي في معرفة من أكون؟ هل يمكنني الاكتفاء بمحاولة البقاء على الطريق حتى ألقى الله؟ أم أن الطريق يستوجب علي أن أعرف مكنونات نفسي أولا.
تخرج من تساؤل لتدخل في آخر إجابته ربما أكثر تعقيدا من سابقه.
ربما ما يمكنني أن أقول أنني قد وصلت له حتى الآن، أنني لم أعلم بعد أين أكون من نفسي، لا أعلم أي صورة أستطيع أن أرسمها لي إن طلب أحدهم مني أن أرسم نفسي بنفسي. بل ربما لم أعلم بعد أي عنوان يمكنني كتابته إن أردت يوما أن أكتب عمن أكون.. و لكن هل سأستطيع بداية أن أكتب يوما عمن أكون ؟!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مركز رعاية الأمومة

  شاهدت مؤخرا دراما كورية بعنوان Birthcare Center أو مركز رعاية الأمومة، الدراما تتناول ما بعد الولادة ومرحلة تعافي الأم، في الحقيقة ما ش...